بينما يستعد الرئيس الصيني شي جين بينج للوصول إلى القاهرة في أول زيارة دولة له منذ عقد، والتي تتزامن مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر، يبرز سؤالٌ هامٌّ: هل تتخلى مصر بهدوء عن شراكاتها الغربية طويلة الأمد؟ وهل تستطيع مصر استغلال الصين للضغط على إثيوبيا بشأن النيل وسد النهضة؟
وقال موقع "أنالتيكا توداي"، إنه من المتوقع أن يعقد شي جين بينج محادثات مع (قائد الانقلاب) عبدالفتاح السيسي تركز على تعزيز الشراكة الاستراتيجية الشاملة بينهما، والتي رُفعت مستوياتها في عام 2014، إلى جانب التعاون الاقتصادي والأمني الثنائي، ومجموعة من القضايا الإقليمية والدولية.
مناورات جوية بين الصين ومصر
ولم يكن التوقيت مصادفة، كما يشير التقرير، فقد شهدت الأشهر الأخيرة مناورات جوية مشتركة بين الصين ومصر، بما في ذلك مناورات "نسور الحضارة 2026" التي شاركت فيها مقاتلات J-16 الصينية إلى جانب طائرات رافال المصرية.
وقدّمت شركة هواوي الصينية العملاقة للاتصالات عروضًا لتوريد أكثر من 2000 شريحة ذكاء اصطناعي متطورة لمراكز بيانات الحكومة المصرية، مما أثار اهتمامًا أمريكيًا خفيًا بتقديم تقنية منافسة.
وتواصل الشركات الصينية توسيع نطاق أعمالها الصناعية داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بينما ارتفع حجم التبادل التجاري الثنائي إلى ما بين 19 و21 مليار دولار، وإن كان يميل بشكل كبير نحو الصادرات الصينية.
وبحسب التقرير، تُظهر هذه التطورات علاقةً تجاوزت حدود الصداقة الرسمية لتشمل مجالات عملية كالبنية التحتية والتصنيع والتكنولوجيا، بالإضافة إلى تعاون دفاعي محدود.
هل تتخلى مصر عن شراكاتها الغربية التقليدية؟
وفق التحليل، تشير الدلائل إلى تنويع مصادر التمويل بدلاً من الانفصال، إذ لا تزال القاهرة تتلقى ما يقارب 1.3 مليار دولار سنويًا كتمويل عسكري أمريكي، وتشارك في مناورات عسكرية كبرى مثل مناورة النجم الساطع مع القوات الأمريكية، وتواصل اقتناء معدات غربية متطورة، كطائرات رافال الفرنسية والغواصات الألمانية وغيرها من الأنظمة.
وفي الوقت ذاته، عززت مصر علاقاتها مع الصين من خلال مشاريع مبادرة الحزام والطريق، والمجمعات الصناعية، والطاقة المتجددة، ونقل التكنولوجيا؛ ومع روسيا في مجال الطاقة النووية؛ ومع دول الخليج عبر دعم مالي واسع النطاق.
ويُرسخ انضمام مصر إلى مجموعة البريكس عام 2024 مكانتها في إطار متعدد الأقطاب يضم الصين وإثيوبيا. ويصف المحللون هذا النهج عادةً بأنه "شراكة استراتيجية دون تحالف استراتيجي"، وهي استراتيجية تحوط براجماتية تهدف إلى تعظيم الخيارات، والحد من الاعتماد المفرط على أي قوة منفردة، وحماية استقلالية النظام في ظل الضغوط الاقتصادية وعدم الاستقرار الإقليمي.
ويقول التقرير، إنه من الواضح أن توثيق العلاقات مع الصين والانضمام إلى مجموعة البريكس يوسعان من هامش المناورة الاستراتيجية لمصر. وتوفر مصادر الاستثمار والتمويل البديلة متنفسًا من الشروط الغربية أو شروط صندوق النقد الدولي. ويساهم التبادل التجاري باليوان في التخفيف من نقص الدولار. وتدعم اتفاقيات توطين التكنولوجيا والصناعة الأولويات المحلية. وتمنح المنصات متعددة الأطراف القاهرة صوتاً أقوى في منتديات الجنوب العالمي. وتشير التدريبات العسكرية المشتركة والمناقشات التكنولوجية إلى أن الشراكة تتجاوز الآن مجرد...
هل تضغط الصين على إثيوبيا بشأن سد النهضة؟
على الرغم من أن الوضع الاقتصادي لمصر محفوف بالمخاطر، إلا أنه يبقى مدروسًا بعناية، بحسب التقرير. تجني مصر فوائد ملموسة مع تجنب أي تحالف كامل قد يُعرّض للخطر علاقتها الأمنية الراسخة مع الولايات المتحدة أو وصولها إلى الأسواق ورؤوس الأموال الغربية. هل تستطيع مصر استغلال الصين للضغط على إثيوبيا بشأن النيل وسد النهضة؟ تبدو الاحتمالات محدودة، وفقًا لتقييم التقرير.
لا يزال سد النهضة، الذي افتُتح عام 2025، نقطة خلاف جوهرية. فمصر تعتبر أمن مياه النيل مسألة وجودية لسكانها الذين يزيد عددهم عن 100 مليون نسمة؛ بينما تنظر إثيوبيا إلى السد والمشاريع اللاحقة المخطط لها كحقوق تنموية سيادية.
وفشلت سنوات من المفاوضات في التوصل إلى اتفاقية تشغيلية ملزمة تسعى إليها القاهرة. ويتعاون البلدان بشكل انتقائي ضمن مجموعة البريكس في قضايا أوسع نطاقًا تتعلق بالحوكمة العالمية والتعاون بين بلدان الجنوب، إلا أن ذلك لم يُخفف من حدة النزاع الثنائي حول المياه.
وتحافظ الصين على علاقات اقتصادية ومشاريع مشتركة مع كلا البلدين، وقدمت تمويلاً ومعدات متعلقة ببنية سد النهضة الإثيوبي. وتُفضل بكين باستمرار الحوار بقيادة أفريقية والتوصل إلى حلول سلمية. فيما يرى التقرير أن اتخاذ موقف واضح يُخاطر بعزل أحد الشركاء وتعقيد استراتيجيتها الأفريقية الأوسع. وتُتيح عضوية مجموعة البريكس المشتركة قنوات اتصال متوازية، لكنها لم تُترجم إلى ضغط صيني على أديس أبابا.
وينظر التقرير إلى أن أدوات مصر الأكثر واقعية هي الدبلوماسية الأفريقية، واللجوء إلى مجلس الأمن الدولي، والتنسيق مع السودان، والجهود المبذولة لصياغة معايير بشأن سدود النيل المستقبلية. وباختصار، تحتفي زيارة شي جين بينج بشراكة ناضجة ومتنامية الأهمية، تتزامن مع ذكرى تاريخية. وتعمل مصر على توسيع خياراتها وتقليل اعتمادها الحصري على الغرب دون التخلي عنه تمامًا.
تُقدّم الصين تنويعًا اقتصاديًا قيّمًا واستراتيجية محدودة، إلا أنها- وكما يذكر التقرير - ليست أداةً موثوقةً لانتزاع تنازلات من إثيوبيا بشأن النيل. وستُبيّن الاتفاقات الملموسة التي ستنبثق عن الاجتماعات بشأن الاستثمار والتكنولوجيا والتعاون الصناعي، وربما الدفاع، مدى تقدّم هذه العلاقة.
وبالنسبة للقاهرة، يبقى الهدف الأسمى كما هو: الحفاظ على استقلاليتها في صنع القرار، وتحقيق أقصى استفادة من عالم متعدد الأقطاب، مع مواجهة التحديات الاقتصادية الداخلية والجو المحيط المضطرب.
https://analyticatoday.com/xi-in-cairo-is-egypt-ditching-the-west-for-china/

